سنان باشا..

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

سنان باشا..

مُساهمة  ماسة في 13.12.11 7:01


سنان باشا

يعد المعماري سنان باشا (1489م-1580م) أبرز وأشهر البناءين المسلمين في القرن السادس عشر الميلادي، سواء في الدولة العثمانية أو على مستوى العالم الإسلامي؛ فقد تميّزت أعماله البنائية والمعمارية بالكثرة والقوة والمتانة والضخامة المصحوبة أيضا بمظاهر من الجمال والرّوعة، ومن ثم فقد أطلق عليه الأتراك لقب "أبو العمارة التركية". وسنحاول أن نستعرض تاريخ هذا المعماري العظيم وعصره والمؤثرات والعوامل التي وفّرت له إنجاز وتحقيق مثل تلك الأعمال المعمارية الشامخة.

ولد سنان باشا في عام 1489م في إحدى قرى الأناضول التركي من عائلة مسيحية، ولأن طموحه كان عاليا جدا فقد التحق بالجيش العثماني، ليحصل على فرصة للتعليم والحصول على وظيفة كبيرة في الدولة، شارك في الغزوات الحربية التي قام بها السلطان بايزيد الثاني، وتدرّج في عدة وظائف عسكرية خلال حكم السلطان سليم الأول (1512-1520م).

شهد عصر سليم الأول حصول سنان على مكانة كبيرة داخل الجيش؛ نتيجة جهوده في وضع تصميمات البناء لمراكز وتجمعات الجيش العثماني وإنشاء الجسور والقلاع والحصون الحربية.. على أن تفوّقه وبروزه المعماري جاء خلال فترة حكم السلطان سليمان القانوني (1520-1566م) الذي عُرف عصره بالعصر الذهبي للدولة العثمانية.
تكوينه والمؤثرات عليه

لا شك في أن فترة بروز وظهور المعماري سنان باشا كانت من أقوى عصور الدولة العثمانية قاطبة، فالفترة من منتصف القرن الخامس عشر الميلادي وحتى نهاية القرن السادس عشر، تمثل فترة الازدهار والقوة في تاريخ الدولة العثمانية. ومع ترعرعه في ظِل دولة السلطان سليمان القانوني، تأثر المعماري سنان باشا بما يدور حوله من أمور وأحداث تتعلق بكافة الميادين، ومنها بالطبع فن العمارة.



لم يقتصر الازدهار العثماني في ذلك العصر على الفنون والآداب فحسب، بل امتد إلى كل المجالات ومنها العمارة. ومن الحقائق البارزة في تاريخ الدولة العثمانية الاهتمام بالمدارس العسكرية؛ ومن ثم كان التحاق سِنان باشا بالمدرسة العسكرية في إستانبول، وتخرّجه فيها. وبما أن سِنان باشا قد صحب السلطان سليمان القانوني في فتوحاته الأوروبية بمنطقة البلقان، باعتباره مهندسا عسكريا، فقد توفرت لسنِان فرصة الاطلاع على العمائر الأوروبية التي عرف عنها تميزها بالضخامة والاهتمام بالزينة والزخرف. هذا ما يمكن قوله عن الجانب أو المؤثر الخارجي في عقلية سنان باشا المعمارية.

أمّا الجانب أو المؤثر التركي في مدرسته البنائية والمعمارية، فقد تفتحت عينا المعماري سنان في الأناضول على رؤية العمائر السلجوقية التي لا يخلو موقع في مناطق الأناضول من وجودها. وإذا كان سنان باشا قد تأثر بفكرة العمائر الضخمة والعالية الارتفاع عند زيارته لأوروبا، فإنه أخذ جانب العمارة الشاملة بمفهومها الإسلامي من المدرسة المعمارية السلجوقية.

هناك أيضا مؤثر ثالث في الفكر البنائي المعماري لسنان باشا وهو كنيسة "آيا صوفيا" بإستانبول، التي تحوّلت لجامع إسلامي بعد فتح السلطان محمد الفاتح للقسطنطينية في عام 1453م. ومن آيا صوفيا أخذ سنان فكرة العمل المعماري الديني الضخم، الذي ترسخ في ذهنه بتمعنه ونظراته الطويلة لآيا صوفيا. باختصار إذن نقول: إن المعماري التركي العثماني سنان باشا قد تأثر فكره الهندسي في مجال العمائر الدينية بروافد ثلاثة هي على التوالي: سلجوقية، وأوروبية، وبيزنطية.
لم يكن جامع السليمانية تقليدا لكنيسة آيا صوفيا وإنما تفوق عليها

يرى كثير من علماء العِمارة والبناء وأيضاً علماء الآثار القديمة أن كنيسة آيا صوفيا (افتتحت للصلاة ككنيسة في عام 360م، وتحولت لجامع منذ عام 1453م) من أبرز العمائر الدينية القديمة في مدينة إستانبول، بل وفي العالم.

نشأ المعماري سنان باشا في رحاب هذا الجامع الضخم، حيث اطلع سِنان باشا على تفاصيل هذا البناء وجلس داخله ساعات طويلة، بل أياما وهو يدرس خريطة بنائه وعمارته. وعلى الرغم من العظمة والجمال اللذين يكتنفهما نموذج كنيسة آيا صوفيا، فإن سِنان باشا أراد البروز والتفوّق على هذا النموذج البيزنطي، فجاء جامع السليمانية الذي شَرع سِنان باشا في بنائه وهو في عمر الستين تقريباً عام 1550م، وسط دعاء شيخ الإسلام أبو السعود أفندي، وبناء على تعليمات السلطان سليمان القانوني مثلما هي العادة عند السلاطين العثمانيين. افتتح جامع السليمانية للصلاة في يوم 7 يونيو عام 1557م، ويعد أهم وأشهر الأعمال المعمارية في تاريخ العمارة الدينية التركية والإسلامية.

لم يأت العمل الرائع تقليدا لآيا صوفيا وإن شابهه من حيث القبة المركزية والطابق العلوي الداخلي والضخامة، وإنما تفوقه عليها يأتي بقبته المركزية الظريفة، المستندة أيضا لأربعة أعمدة ضخمة، وبمآذنه الأربعة العالية، والقباب النصفية المشكّلة لسطح الجامع، وكذا محراب الصلاة الواسع والرّحب.

وفي الوقت الذي ترتفع قبة آيا صوفيا إلى 60 و55 مترا عن سطح الأرض، ومحيطها 31 و33م، تأتي قبة جامع السليمانية أقل منها؛ حيث تبلغ 53م، ومحيطها 5 و26م، وإن تفوّقت عليها من حيث القوة والمتانة وكثرة النوافذ الضوئية المحيطة بها.. هذا من ناحية.

ومن الناحية الأخرى نجد أن آيا صوفيا قد اقتصر الدخول إليها عبر باب واحد رئيسي، بينما جاء جامع السليمانية ليشتمل على مجموعة كبيرة من الأبواب، بحيث لا يحدث أي اختناق عند دخول أو خروج المصليين، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار تواجد عدة آلاف من المصلين في الصلوات الجامعة، مثل الجمعة والتراويح في شهر رمضان وصلاة العيدين.

هناك أيضا الجوانب والدهاليز المظلمة في آيا صوفيا والتي لا يمكن تمييز حوائطها أو النقوش والكتابات والرسوم الموجودة عليها حتى في وقت وسط النهار، على عكس جامع السليمانية؛ حيث صممت النوافذ والفتحات بشكل وبأعداد كثيرة تسمح بمرور الضوء لصحن وجوانب الجامع في سهولة ويسر. ونفس الشيء يمكن رصده في محراب (مذبح الكنيسة في السابق) آيا صوفيا الذي تكسوه الظلمة نهاراً، بينما تدخل أشعة الشمس بشكل كثيف لمحراب الصلاة الرئيسي في السليمانية. وهذه النقطة واحدة من نقاط التميّز والتفوّق في السليمانية على آيا صوفيا، خصوصاً مع طول موسم الشتاء في مدينة إستانبول، حيث تظلم السماء وتحجب السحب الكثيفة والأمطار أو الثلوج الهاطلة ضوء الشمس في وقت الظهيرة. ومن أجل تسهيل أداء صلاتي المغرب والعشاء أو صلوات التراويح في شهر رمضان –وكلها تتم في المساء المظلم- أغرق سنان داخل الجامع بأربعة آلاف قنديل أو ثريّة زجاجية تجعل ليله نهاراً، وهو الأمر غير الموجود في آيا صوفيا.

إبداع السليمانية.. شغل الأسطى سنان!!

ونتيجة للروعة التي بني بها الجامع ومجموعته المعمارية؛ فقد أطلق الأتراك تعبير "شغل الأسطى" على سنان باشا، باعتبار أن مجموعة السليمانية تمثل مرحلة النضوج المعماري عنده.

اختار سنان باشا موقعاً مميّزاً في القطاع الأوروبي لإستانبول لبناء الجامع، في أعلى ربوة تطلّ على مضيق القرن الذهبي. ولا تقتصر مجموعة السليمانية على المسجد، ولكن تشمل كذلك دارًا لتعليم الحديث، وداراً للشِفاء، وحماماً، وداراً لرعاية وإطعام الفقراء، وست مدارس دينية وتعليمية، ومجموعة من الدكاكين والمحلات التجارية، وجامعا وسبيلا للماء ومقبرة لحرم سلطان (روكسلانا الروسية) زوجة السلطان سليمان القانوني، والكلية مقامة على مساحة من الأراضي تقارب 60 دونم (الدونم يعادل ألف متر مربع) على شكل مستطيل.

ولدخول الفناء الخارجي للجامع خصصت 3 أبواب كبيرة، ويحتوي الجامع على 28 قبة، بينها القبة المركزية التي ترتفع عن الأرض 53م، ومحيطها 5 و26م، وتقف على 4 أعمدة ضخمة، وتحيط بها 32 نافذة لتمرير الضوء لرواق الصلاة.

أمّا رواق الصلاة أو صحن الجامع الداخلي فأبعاده هي: 63×68م. وبالنسبة للحَرم الخارجي للجامع فأبعاده: 68×63م. ويحتوي الجامع من الداخل على 4 آلاف قنديل أو ثرية زجاجية، علاوة على عدد 138 نافذة كبيرة وصغيرة مختلفة الأشكال والأبعاد. ويحيط بالمجموعة المعمارية سور كبير له 11 بابا. كما وضع المعماري سِنان باشا 4 مآذن في أطراف مربع الجامع من الخارج، ترتفع الواحدة منها حوالي 76م عن مستوى سطح الأرض. وتحيط بكل مئذنة 3 شرفات (أو شرفتان بحيث يكون إجمالي الشرفات الموجودة حول المآذن أربع عشرة شرفة، وهي إشارة يقول عنها علماء التاريخ والآثار الأتراك إنها ترمز لترتيب سليمان القانوني في سلالة آل عثمان) متباعدة عن بعضها البعض بشكل تدريجي لأعلى. ومن مظاهر التفوق في بناء هذا الجامع أن المرمر المستخدم في حوائطه وفى منبره أيضاً يجعل صوت قارئ القرآن أو المؤذن لإقامة الصلاة يسمع في كل أركان الجامع دون الحاجة للميكروفون. استمر العمل في هذا الجامع 7 سنوات، تكلفت 53 مليون آقجه (عملة فضيّة عثمانية).

وبعد حياة حافلة توفي المعماري سنان في عام 1580م بعد عمر طويل اقترب من قرن من الزمان؛ وهو الأمر الذي ساعده كثيراً على إنجاز العديد من الأعمال المعمارية والبنائية الضخمة والشهيرة من أهمها جوامع: الفاتح، والسليمانية، ونور عثمانية، وشَهزاده (إستانبول)، والسليمية (إدرنه)، وجامع خسرويه /1545م-953هـ (مدينة حلب السورية).. وهذه هي أبرز وأشهر الأعمال التي نالت الثناء والمديح عند الناس وعند المتخصصين في فن العمارة والبناء.
avatar
ماسة

عدد المساهمات : 107
نقاط : 2587
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 01/12/2011
العمر : 26
الموقع : Hama

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى